المقريزي
410
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
فلما كان أوّل يوم من ذي الحجة ، أخذ الفرنج من المراكب في بحر المحلة سبع حراريق ، وفرّ من كان فيها من المسلمين ، وفي يوم عرفة برزت الشواني الإسلامية إلى مراكب قدمت للفرنج فيها ميرة ، فأخذت منها اثنين وثلاثين مركبا منها تسع شواني ، فوهنت قوّة الفرنج ، وتزايد الغلاء عندهم ، وشرعوا في طلب الهدنة من المسلمين ، على أن يسلموا دمياط ، ويأخذوا بدلا منها القدس ، وبعض بلاد الساحل ، فلم يجابوا إلى ذلك ، فلما كان اليوم السابع والعشرون من ذي الحجة ، أحرق الفرنج أخشابهم كلها ، وأتلفوا مراكبهم ، يريدون التحصن بدمياط ، ورحلوا في ليلة الأربعاء لثلاث مضين من المحرّم سنة ثمان وأربعين وستمائة إلى دمياط ، وأخذت مراكبهم في الانحدار قبالتهم ، فركب المسلمون أقفيتهم بعدما عدّوا إلى برّهم وطلع الفجر من يوم الأربعاء ، وقد أحاط المسلمون بالفرنج ، وقتلوا وأسروا منهم كثيرا ، حتى قيل : إن عدد من قتل من الفرسان على فارسكور « 1 » ، يزيد على عشرة آلاف ، وأسر من الخيالة والرجال والصناع والسوقة ، ما يناهز مائة ألف ، ونهب من المال والذخائر والخيول والبغال ، ما لا يحصى ، وانحاز الملك رواد فرنس ، وأكابر الفرنج إلى تلّ ، ووقفوا مستسلمين ، وسألوا الأمان ، فأمنهم الطواشي جمال الدين محسن الصالحيّ ، ونزلوا على أمانة . وأحيط بهم وسيقوا إلى المنصورة ، فقيد رواد فرنس ، واعتقل في الدار التي كان ينزل فيها القاضي ، فخر الدين إبراهيم بن لقمان ، كاتب الإنشاء ، ووكل به الطواشي صبيح المعظميّ ، واعتقل معه أخوه ورتب له راتب يحمل إليه في كل يوم ، ورسم الملك المعظم لسيف الدين يوسف بن الطوري أحد من وصل صحبته من الشرق أن يتولى قتل الأسرى ، فكان يخرج منهم كل ليلة ، ثلاثمائة رجل ويقتلهم ، ويلقيهم في البحر حتى فنوا . ولما قبض على الملك رواد فرنس ، رحل الملك المعظم من المنصورة ، ونزل بالدهليز السلطانيّ على فارسكور وعمل له برجا من خشب وتراخى في قصد دمياط ، وكتب بخطه إلى الأمير جمال الدين بن يغمور ، نائبه بدمشق وولده توران شاه . الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن وما النصر إلا من عند اللّه ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه ، وأما بنعمة ربك فحدّث ، وإن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها ، نبشر المجلس السامي الجماليّ ، بل نبشر المسلمين كافة بما منّ اللّه به على المسلمين ، من الظفر بعدوّ الدين فإنه كان قد استكمل أمره ، واستحكم شرّه ، ويئس العباد من البلاد ، والأهل والأولاد فنودوا ألا تيأسوا من روح اللّه . ولما كان يوم الاثنين مستهلّ السنة المباركة ، وهي سنة ثمان وأربعين وستمائة ، تمم
--> ( 1 ) فارسكور : في معجم البلدان : الفارسكر من قرى مصر قرب دمياط . معجم البلدان ج 4 / 228 .